السيد محمد باقر الصدر
57
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
« أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ » « 1 » . ظاهر الآية الكريمة أن الأجل الذي يترقّب أن يكون قريباً أو يهدّد هؤلاء بأن يكون قريباً ، هو الأجل الجماعي لا الأجل الفردي ؛ لأنّ قوماً بمجموعهم لا يموتون عادة في وقت واحد ، وإنّما الجماعة بوجودها الكلّي هو الذي يمكن أن يكون قد اقترب أجله . فالأجل الجماعي هنا يعبّر عن حالة قائمة بالجماعة لا عن حالة قائمة بهذا الفرد أو ذاك ؛ لأنّ الناس عادة تختلف آجالهم حينما ننظر إليهم بالمنظار الفردي ، لكن حينما ننظر إليهم بالمنظار الاجتماعي بوصفهم مجموعة واحدة متفاعلة في ظلمها وعدلها ، في سرّائها وضرّائها ، حينئذٍ يكون لها أجل واحد ، فهذا الأجل الجماعي المشار إليه إنّما هو أجل الامّة . وبهذا تلتقي هذه الآية الكريمة مع الآيات السابقة . « وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً » « 2 » . « وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » « 3 » . « وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ
--> ( 1 ) الأعراف : 185 ( 2 ) الكهف : 58 - 59 ( 3 ) النحل : 61